العلامة المجلسي
8
بحار الأنوار
بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كتب إلي : أما بعد ( 1 ) فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا ، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا ، وليكن همك فيما بعد الموت . والسلام . 62 - وقال عليه السلام لجماعة : خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها ( 2 ) : لا يرجون عبد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم ، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم ، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا رأس له ، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه . 63 - وقال عليه السلام : الشئ شيئان شئ قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي ، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت عليه بقوة أهل السماوات والأرض ، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن ليدركه ، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر ، واقتصر على ما تيسر ، ولم يتعرض لما تعسر ، واستراح قلبه مما استوعر ، فبأي هذين أفنى عمري ، فكونوا أقل ما يكونون في الباطن أموالا ، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا ، فان الله تعالى أدب عباده المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال : جل من قائل : " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا " ( 3 ) . 64 - وقال عليه السلام : لا يكون غنيا حتى يكون عفيفا ، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا ، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا ، ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك ، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه ، وكفى به عقلا
--> ( 1 ) المصدر ص 55 . وفى النهج مثله . ( 2 ) أنضى البعير : هزله . ( 3 ) البقرة : 273 .